في حالة وجد شفافة ومضنية الى درجة التفتت ،  وفي زمن معاناة موجعة مع استرجاع وتذكر تفاصيل اللحظة – والعمر لحظة مسروقة غنية وثرية بكل الاشياء الجميلة ،  وفي وقفة مع شريط الزمن الذي مضى بكل المباهج والابهارات والثراء الوجداني الذي صاغ ولون طابعه الحياتي ،  بكل هذا نصرخ ونقرر بلغة حاسمة بحب بغداد ،  المكان ،  والالتصاق بها كنسغ في دواخلنا .

الجغرافيا بكل امتداداتها وفضائها السديمي الذي لا يطاول ،  وكل ما فيها وبها وما عليها وما تختزنه وتعطيه من فرح وجمال وممارسات عشق ووله ووجد معجون بالكلمة والفكر والتلاحم والانصهار ،  كلها لا تعوض عن بغداد الحبيبة ،  ربما تكون هذه المدينه الحبيبة بما حفر في الذاكرة والوجدان والنفس من تفاصيل مبهجة ومفرحة تعادل في معناها وايحاءاتها والتجارب الاولى فيها والحوارات التي حدثت في لحظتها من حوارات الشفاه او لغة الايدي او تواصل العيون يعادل كل جغرافيا الكرة الارضية .

اذن نحن نرتبط بهذه المدينة لانها تتصل بالروح والفكر والوجدان ،  ولانها صاغت التنشئة والتجارب وعمقت الولاء بالارض والانتماء للتراب واكتساب المعارف الاولية من خلال لحظاتها وعلاقتها وما كان من تاثيراتها في تشكيل المخزون الواعي .

نرغب في القول ..كل مدن العالم تعدوا وتحدوا نحو المستقبل الا انت يا بغداد تضلين موجعة بالم الحاضر متقطعة الاعراق والجذور ولا هم لك الا الرجوع الى الوراء حيث يذوب زمن التوحد في وحدة الوطن وتذوب المسميات في مسمى العراق بوجه المحن والمصائب ،  فهي حالة وجود ومحصلة وعي في مختلف المضامين ،  وليست حالة عابرة في الزمن تذهب ولا تاتي ،  وبالتالي فان التماهي معها ومع منجزها الحضاري والفكري والتنويري والتاريخي واجب مقدس ،  ومقدس الى درجة لا تناقش ولا تقبل الجدل . 

ملعب الشعب في قلب العاصمة بغداد ،  رمز رياضي كبير ومبهر وحافز للاجيال الرياضية الطليعية من اجل استدعاء ذاكرة التاريخ الكروي وقراءة النضالات والتضحيات التي قدمتها النخب الرياضية المؤمنة بالارث الكروي والفكري للوطن .

وهو رمز للكفاح والمحافظة على المكتسبات الكروية وارث الوطن التاريخي والحضاري ،  والايمان بان هذا الارث هو رافد من روافد التنوير والخلق والعطاء للانسانية في مجمل مساراتها لتحقيق ونشر القيم الرياضية والمساواة والتسامح بين كل الافراد على اختلاف الوانهم ومذاهبهم وانتماءاتهم .

يرمز هذا المكان الى حقبة جميلة من النضالات التي كرست محاولة لصياغة التاريخ الرياضي المعاصر واعادة الوهج لقيم هذا الوطن ورسالاته ووعيه بعد الانتكاسات المخيفة التي برزت في تاريخه ،  وتلك النضالات التي قامت بها نخب رياضية طليعية كرست ورسخت مفاهيم واعية من التسامح ونبذ التعصب ومصادرة راي الاخر وقمع الافكار وفرض التسلط وكل السلوكيات التي تعزل الانسان عن تاريخه الرياضي وحركته الدائمة والمستمرة ،  وتحوله الى كائن انعزالي جامد في افكاره وتطلعاته .

هكذا هو ملعب الشعب يحكي لنا قصة التاريخ الكروي التنويري ،  ويقول للاجيال يجب ان تكونوا امتدادا واعيا لصانعي ذلك التاريخ بوجهه الحضاري والانساني ،  وان تناضلوا لكي لايضيع ويتشوه تاريخكم وننزلق جميعا الى قاع الانحطاط والتخلف .
 
والآن،  الآن .. نبدأ ؟  ونبدأ من حيث الاسئلة الصعبة والصعبة جدا ،  وربما نقول الصادمة ..ونسأل: -هل نستحق هذا الارث الكروي الكبير ؟
-هل استوعبنا حجمه ووزنه وقيمته وابعاده وعطاءه بالقدر الكافي ؟
-هل حاولنا ان نتماهى مع هذا الارث الكروي الكبير كقيمة وهوية وانتماء وجذر وايمانات بالفعل ،  وادركنا عن عمق معرفة وتفكير ،  بان هذا الارث الكبير يحتاج منا الى تحصين ،  والتحصين لا ياتي الا عبر صياغة العقل ،  وتاصيل الرؤى النهضوية والمعرفية ،  وعلمنة السلوك والممارسة ،  وصناعة جيل يعرف قيمة هذه الاماكن وارث الوطن وانها ليست حقائب سفر بل هي نسغ في تكويننا البيولوجي ،  وهذه ليست شوفينية ؟

هل نستمر في الاسئلة الصادمة وهي كثيرة ؟ 
احسب انه في يومنا هذا يجب ان يقف المعنيون وقفة مصارحة ومكاشفة ومحاسبة مع النفس والذات ،  ليعرفوا انهم في حالة تقصير موجعة ومؤلمة مع ارثنا الكروي الكبير ، هذا لكي لا اقول انهم لايستحقونه .. ولا اعتذر؟

ماذا قدمنا للوطن وسمعة الوطن وشموخ الوطن ؟
انني اخشى من حالات الاحباط والاتكالية والعجز والهروب من كل ما تمليه عليهم المواطنة والانتماء والهوية ،  فلا يفعلوا الا الممارسات التي تعطي المؤشرات بانهم رموز رياضية تبتعد عن السلوك الحضاري مسافات بعيدة ،  وان المهم لبعضهم وليس الكل ان تاخذ النصيب الاكبر والاوفر من القطعة ،  وتلهث بشكل فاضح وبشع ،  وكأنما الوطن وليمة ،  اما الصورة البشعة عن التهميش والاقصاء فهذا حديث يطول …ونعود لنكرر السؤال .. هل نستحق هذا الارث الكروي الكبير ؟ والجواب مرهق ومتعب ويفتح الجرح كما فوهة بركان .
من هنا .. فان فساد العقل الرياضي وانحداره الاخلاقي والمسلكي والتعاملي ،  ان تكون هذه الاماكن الرياضية الكروية عند الجهلة والموتورين حالة عبور ،  وملعب الشعب الدولي هو ارث ثمين ،  وقيمة كروية كبيرة يجب ان نتعامل معها بكل الولاء والانتماء ،  فهو الهوية الرياضية وهو الكرامة .
 

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *