يبدو أن حكايات الإبداع العراقي لم ولن تنتهي فهي كالنهرين بعطائهما الممتد عبر آلاف السنين. والنبات العراقي الطيب يخضر ويورق في كل تربة وينتشر أريج سمعته القوية وطلته البهية في فضاء الدنيا أينما رحلت في مشارق الأرض ومغاربها. سمير شاكر واحدة من هذه الورود التي نشم عبيرها العراقي في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد أن انطلق من العراق مرورا بالأردن ثم البرتغال ليحط الرحال بعد رحلة تدريبية مثيرة وحافلة في دولة الإمارات العربية المتحدة. اختار درب الرياضة وكرة القدم طائعا منذ صغره وحتى اليوم لاعبا ومدربا وموجها ومرشدا. الأثر العراقي الراسخ في تربة الإبداع لا يحتاج إلى توصيفات أو فلسفة كي نقدمه للناس كونه يتحدث عن أعماله ويبشر بنواياه بعد أن تفوق في مداه من العراقية المحلية مرورا بالعربية وحتى الدولية ومن اللعب والتدريب في منتخبات الفئات العمرية وصولا إلى المنتخبات الوطنية. فما هي حكاية الحارس السابق والمدرب الحالي سمير شاكر الإنسان في هيئته والفنان في شكله وتصرفاته.

1

سمير شاكر الحارس العراقي الذي أبدع في أندية العراق ومنتخباته الوطنية وتتلمذ على أيدي أفضل أساتذته ومعلميه حط رحاله اليوم على مضايف صحيفتنا الرياضية كي يقول ونقول فلا سائل ولا مجيب ولا حوار بين الشطار قدر ما هو رحلة محبة واستذكار.
من أندية صلاح الدين والجيش والكرخ تفاعل الحارس سمير شاكر مع كرة القدم وقدم لها الكثير بعد أن أبدع في منتخبات الشباب والوطني. تعلم أساسيات اللعبة ودرس موقع حراسة المرمى وأهميته على أيدي نخبة من مدربي الأمس واليوم منهم قاسم أبو حديد (مدرب حراس في الإمارات), جمال صالح (محلل فني في قناة دبي), عبد الوهاب عبد القادر (مدرب نادي عجمان الإماراتي), كاظم صدام والخبير في شؤون الفئات العمرية ومدرب الكبار نصرت ناصر والأخير يتغنى باسمه حارسنا ومدربنا سمير كما يتغنى المرء بأغنية جميلة ذات معان بشرية لا توصف. أبو حديد بوصلتي التي قادتني نحو عالم التدريب بعد أن زرع الفكرة في رأسي إلا أن نصرت ناصر هو صاحب الفضل الكبير عليَ كونه أول من قادني نحو الدراسة والتعلم وبالتالي المزج بين الخبرة والدراسة وذلك من خلال توجيهاته السديدة ونصائحه النبيلة كما يقول الحارس والمدرب سمير.

ويواصل: قمت بحراسة عرين منتخب العراق الوطني في مناسبات كثيرة وعزيزة أحلاها مباراتنا أمام السعودية في كوريا لدورة الألعاب الآسيوية والتي قمت خلالها بتسجيل هدف من ضربة جزاء وتصديت لثلاث ركلات جزاء وكنا قريبين من الفوز لولا فشل لاعبينا في استثمار الفرصة وإهدارهم لركلات الجزاء وهو ما تسبب بخسارتنا بفارق هدف واحد. وفي بطولة مرديكا الدولية قدمني شيخ المدربين عمو بابا كحارس بديل للكابتن رعد حمودي. شاركت في معظم مباريات تصفيات كاس العالم 1986.
انتقل الحارس سمير من العراق نحو الأردن ليقف على منصات التتويج الملكي الأردني بعد أن أبدع مع حراس نادي الرمثا الاردني في بطولة نهائي الكأس وتمكن من إيصال حراسه رائد السلمان وأحمد أبو نصور إلى مصاف المنتخب الوطني الأردني خلال تلك الحقبة

علي الحسناوي مع المدرب سمير شاكر

وبعد عامين وقع مدربنا الطيب في مفترق طرق في الاختيار بين البقاء في الأردن أو الرحيل نحو عالم الكرة الخليجية وتحديدا في الإمارات ولكن العقد كان يجبره على الرحيل لوحده دونا عن مرافقيه الذين صاحبهم ورافقهم وعمل معهم خلال الفترة الأردنية في أندية أردنية مختلفة. وكان القرار وصواب الخيار يقف على المفاضلة بين السفر لوحده والقبول بالعقد المغري والتمتع بمفرده وبين السفر مع رفاقه شريطة أن يتوزع مبلغ العقد على ثلاثتهم. وما كان من العراقي الطيب ذو النخوة والشهامة إلا التفريط بحقه والموافقة على سفر رفاقه من مدربي الحراس إلى دولة الإمارات العربية المتحدة.
ويتابع الكابتن سمير: المحطة الأولى كانت مع نادي الإمارات بنجومه اللامعة وسمعته الكبيرة ثم نادي العين صاحب اللقب العيناوي والذي حصدت مع مدربه البرتغالي (فينغادا) بطولة الدوري في أول عام لي معه ثم بطولة الكأس ولأول مرة خلال العام الذي تلاه. ومن هذا المنبع استقدمت حراس المنتخب الوطني من أمثال وليد سالم, علي خصيف, واحمد محمود حارس الأولمبي الوطني. وبعد رحيل فينغادا إلى البرتغال وصلتني فرصة التدريب الأوربي والتواجد كمدرب عراقي للحراس في أكبر المحافل الكروية الأوربية ومن بوابة أشهر نواديها. لدى وصولي البرتغال استقبلتني الصحافة والإعلام البرتغالي بالعشرات وهم يريدون معرفة اسرار هذا المدرب العراقي القادم من بلاد بعيدة للعمل في واحد من اشهر أندية البرتغال وهو نادي ماريتيمول. وفي المؤتمر الصحفي تم توجيه العديد من الأسئلة حول الأسباب التي دفعت بالمدرب فينغادا لاختياري كمدرب للحراس فكانت الإجابة واضحة وبسيطة وهي أن عليهم الانتظار لما بعد رؤية العمل الذي سيقدمه المدرب سمير. وقال فينغادا أن سمير شاكر أفضل مدرب مر على مسيرتي الكروية كمدرب محترف. ويواصل الكابتن الحديث (عملت في البرتغال للفترة من 1999 وحتى عام 2003) وبعد أول عام لي مع النادي اتصل نادي بنفيكا وطلب مني الاشراف على حراسه إلا إني رفضت الفكرة لتمسكي بالعمل مع فينغادا كونه صاحب الفضل في قدومي إلى المحفل الأوربي ولكن فينغادا أقنعني بالانتقال والعمل في بنفيكا لما له من سمعة كبيرة داخلية وخارجية. في نادي بنفيكا كانت الجماهير بحدود عشرة آلاف تحضر التدريبات اليومية للفريق والصحافة تحضر تدريباتي باستمرار وتنشر صور ومخططات عن التمارين التي كنت اقدمها للحراس يوميا حيث كنت اشرف على ثلاثة حراس من بلجيكا وجنوب افريقيا والبرازيل. والأول انتقل إلى نادي اندرلخت الألماني وكان موقعنا السادس في الدوري البرتغالي.وكان البرتغاليون يطلقون علي اسم (ايريكانو) اي العراقي حيث عملت مع كوماتشو (مدرب الصين حاليا) ومورينهو قبل أن يغادر النادي بسبب تقاطعه مع الإدارة. أشرفت على الحارس روبرت انكا حارس منتخب المانيا والحارس موريرا (19) عام والذي رشحته للحراسة في دوري الكبار. وفي دوري (الشامبيون ليغ) كان لي الحضور القوي في مقابلاتنا مع أندية ريال مدريد, برشلونه, فيورينتينا, مانجستر سيتي. وعند عملي مع سبورتنغ برشلونه كان لي شرف العمل مع الحارس العملاق بيتر شمايكل الذي تعلمت منه كثيرا .

ـ أعشق التدريب الاسكتلندي حيث درسته وتعلمت منه الكثير ورافقت أفضل محاضريه في دورات ومعايشات أكسبتني الكثير من الخبرة وخلال اشهر طويلة ولا زلت استخدم هذا الأسلوب في عملي ومنه تخرج على يدي الكثير من الحراس المرموقين.
ـ المدرب العراقي مطلوب في كل مكان حاله حال الكفاءة العراقية في مجالات الطب وغيرها ولكنه يحتاج إلى الخروج من المحلية إلى العالمية في طريقة تفكيره وهنا يأتي دور المؤسسة والاتحاد في إرسال مدربينا للمشاهدة والمعايشة والدراسة علما بأن مجال الإطلاع أصبح مفتوحا للجميع من خلال أدبيات الكرة ومواقع الشبكة العنكبوتية وكل ما يحتاجه المدرب العراقي خلال هذه الفترة هو الصقل والمتابعة وتغيير أساليب التعامل التربوي مع اللاعبين. ـ لا أريد الحديث عن العراق وكأني ابتعدت عنه كثيرا لأني وعلى الرغم من غربتي وتجوالي إلا أني ابقي عراقيا وفيا ورفع اسم بلدي عاليا في المحافل الدولية التي عملت فيها يمنحني قوة إضافية ويكسبني دافعية جديدة للتفوق والإبداع ونحن ومهما طالت غربتنا إلا إننا إليه عائدون.. ـ الوسط الكروي العراقي منجم للمواهب العراقية وخصوصا في حراسة المرمى ولكنهم يحتاجون إلى مدربين قياديين من أصحاب الخبرة المحلية والدولية مع استحداث مدرسة كروية خاصة بالحراس يتم إدارتها من قبل ذوي الإختصاص. حكاية سمير شاكر, وغيرها من الحكايات الإبداعية المقبلة, والتي جاءت عبر هذه السردية التاريخية تقطع حبال الشك وتوصل حبال اليقين من أن العراق غني بخيراته البشرية وموارده الإبداعية وبالتالي ليس لدينا أي نقص في مخزون الكفاءة بقدر النقص الفاضح في كيفية استقدام واستثمار كفاءاتنا العراقية المغتربة بغية تعزيز روح المواطنة ومن أجل الارتقاء بالرياضة العراقية نحو مجدها التليد.

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *