الزاوية الصحفية، أو العمود الصحافي هي مساحة يرفع الكاتب رايته على تخومها، ويمارس حقه في الرأي والتعبير والرفض والاحتجاج، ومحاولة التقويم والفهم والتصويب، ويعطي فيها مخزونه من تراكمات التجربة، وقراءته للناس، والحياة، والشأن العام. غير أن الزاوية تظل ملكاً مقدساً للقارئ، فلا يصح أن توظف معاناة خاصة، أو أهدافاً شخصية، أو حرق بخور لاستحضار الزيف، والنفاق، والتزلف، وتصنيم الآخرين، ولا بأس بالذات – أيضاً -. وكل ذلك مفضوح بشكل رخيص جذره الكذب، وتغطيه أقنعة من التهريج، والخداع، وعدم الصدق.


بعيداً عن هذه السلوكيات، والممارسات، والافعال، أسمح لنفسي معتذراً جداً من القارئ أن أمارس – اليوم – نوعاً من أنانية الذات، وليس نرجسيتها، وأوظف الزاوية عبر الراية التي أرفعها عليه كل مرة اذا لم يمنعني سفر، أو مرض، أو ظروف خاصة جداً. أوظف الزاوية لمرة واحدة عن شأن خاص جداً , ومناسبة عزيزة علينا لازلنا نعيش آلامها ، وبوح يجب أن يكون في زمن الجحود، والانتهازية، والأصولية.


فكانت المفاجئة :


الوجع الذي اصاب الامة الاسلامية والعالم الاسلامي والمجتمع الثقافي والادبي والمعرفي والصحافي في هذا الشهر ؛ شهر محرم الحرام باستشهاد سبط الرسول الامام الحسين ( ع ) هو وجع حقيقي وصادق ونابع من الم ؛ وتفتت ؛ وعطب اجتاح المشاعر وحياة المجتمع بخسارة هذا الامام الذي كرس حياته للفعل الثقافي والمعرفي ؛ وآمن بالكلمة اداة تغيير واصلاح وفعل مواطنة مخلصة وصادقة ؛ ووظف الحب والسلام منطلقا لنشر التسامح وتعرية السلبيات وفضح المسلكيات التي تعيق الانسان عن تادية دوره في بناء المجتمع ؛ والانسان ؛ والحياة .


آمن الحسين ( ع ) بالكلمة كأداة محركة وناشطة في عملية وعي المجتمع وصناعة الوعي المعقلن فيه ؛ وأنها الوسيلة المؤثرة بصدق في اخراج الناس من مفاهيم واوهام ومسلكيات التسطح والجهل والتخلف والاتكالية والعجز ؛ فمارس تعاطيها كأيمان وحرص على نقائها وتوهجها ومكانتها ؛ كي لاتنحدر وتهان وتذل ؛ حتى وهو في ظروف خاصة لم ينقطع من تاصيل الكلمة والكتابة .


والحسين ( ع ) كان يحرص ان يكون متعاليا عن الصغائر فلم يدخل في خصومات او اشكاليات او منافسات حاقدة مع احد في ذلك الوقت ؛ وعاش عفيف القلب ؛ واليد ؛ واللسان .


لم يحن جبهته لغير الله اذ


حنيت لاغراض الحياة جباه ..


عاش الحسين عفيف القلب لم يحقد ولم يغضب ولم يستغب ولم يتعرض لاحد في الوسط الاجتماعي العام بأساءة .


وعاش عفيف اليد ؛ لم يتوسل ؛ او يتهافت على المادة ؛ لم يبع دينه وعقيدته ؛ او يوظف مكانته القيادية الواسعة من الانتشار في العالم الاسلامي لمصلحة مادية ؛ او تكسب بالكلمة والموعظة ؛ او وظف ذلك الحضور الطاغي من اجل منصب ؛ او ثروة ؛ بل عاش حياته كفافا ؛ وتعففا .


وعاش الحسين ( ع ) عفيف اللسان لم يحاول النيل من احد ؛ بل كان الغفران والتسامح والنسيان والحب اداته امام كل من يحاول النيل منه ؛ او من سيرته العلمية والثقافية والابداعية ؛ لهذا لا اعرف خصما لأبي عبد الله ؛ ولا اتذكر بل واجزم بأنه ؛ لم يتناول احدا بمنقصة طوال حياته سلام الله عليه .


الحسين كان يعرف جيدا ان ادواته هي معرفته الشمولية ؛ وثقافته الواسعة ؛ وقدرته على فعل التنوير ؛ ونثر الحب ؛ ولهذا كان ؛ واثقا ان الانتصار في النهاية لهذه الادوات ؛ اما من هم في غياب عن هذه الادوات وامتلاكها فأنهم يلجأون الى الشر ؛ والايقاع به وعائلته وبالاصحاب الاخرين كما حدثت الواقعة الاليمة والمفجعة في كربلاء .. وهذا منتهى الانحطاط .


يا أبا عبد الله .. سنحمل رايتك .. راية الحب والحرية والسلام في كل وقت وفي كل مكان .. وسنشفق على الحاقدين والحاسدين لانهم مرضى ونساعدهم على الشفاء بالكلمة .


ويا امام المتقين ؛ وحلاوة العمر ؛ ونقاء العمر … سنذكر النقاء حين نذكرك ؛ وسنذكرك دوما ما بقينا ؛ سنذكر التسامح والطيبة والشجاعة والتقوى والحب والابتسامة والفرح والحرية والسلام طالما انت مختزن ؛ ومخزون في الذاكرة ؛ وستبقى في الذاكرة حتى نلقاك .


يا صريع الدمعة الساكبة ؛ طب نفسا ايها الامام الشهيد فقد قتلت دون ان تجرح احدا ولو بوردة وهذا رصيد اخلاقي نادر جدا في هذا الزمن .


( والله ما خرجت اشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولكن لطلب الاصلاح في امة جدي رسول الله  ص  ) .
 

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *