حتى الآن ما تزال الصين تحتل مكانة مرموقة بين دول العالم في “انتاج” الرياضيين المتفوقين. ولكن هناك نموذج متفوق آخر هو الولايات المتحدة. 

ولا تمر دورة ألعاب أولمبية او مناسبة رياضية عالمية إلا وتكون المنافسة حامية بين الرياضيين الصينيين ونظرائهم الأميركيين. ولكن الرياضة بينهما مختلفة المنهج تماما، فالصين تعتمد في انتاج الرياضيين على رعاية الدولة، بينما يعتمد الرياضيون الأميركيون على انفسهم. والرياضة في الصين هواية وتفوق ذو طبيعة رمزية، بينما هي في الولايات المتحدة احتراف مطلق ومسعى يأخذ جني المال في نظر الإعتبار.
وحسب النتائج التي يسجلها هذان النموذجان، فان أحدا لا يستطيع على الإطلاق أن يحكم مسبقا على احدهما بانه انجح من الآخر.

وبالنسبة لدول نامية مثل دولنا، يبدو أن مزيجا من رعاية الدولة والاحتراف ما يزال ضروريا.
فالهواة من الرياضيين في بلداننا ما يزالون بحاجة الى أدوات ومستلزمات لا يمكن توفيرها فرديا. فعدا عن الأجهزة والآلات التي تساعد الرياضيين في تنمية قدراتهم، فان خدمات الرعاية والتدريب والاحتضان يمكن ان توفر الجانب الآخر الضروري لتكملة الإعداد الرياضي.
ولكن، ما لم يجد الشباب الذين ينخرطون في عالم الرياضة انهم يستطيعون الاعتماد على الرياضة كمصدر للدخل، فان اهتمامهم بتطوير إمكانياتهم سوف يتضاءل. 
في الصين، الدولة تتكفل برعاية الرياضيين ماديا، من الألف الى الياء. وهذا ما يوفر لهم الأساس الذي يجعلهم قادرين على التركيز لتطوير مواهبهم وقدراتهم. 

وبطبيعة الحال فان الرعاية الرسمية تعني في الوقت نفسه ان النخبة فقط هي التي تتمتع بأفضل الامتيازات، بينما يظل الباقون مجرد هواة.
مع ذلك، فقد بدأ الاحتراف يشق طريقه الى الصين. فمنذ عام 1994 على الأقل، بدأ الإحتراف يتسلل الى الأندية الرياضية لكرة السلة والطائرة وكرة الطاولة وغيرها. وشكلت مباريات الدوري المهنية سوقا تخصصيا ذا حجم معين، فتحسنت بيئة تنمية نشاطات الرياضة ككل. وتشكلت آلية الإدارة التجارية بصورة أولية. ودفع الاحتراف الى تشكيل نظام سوق إدارة الرياضة وهياكل صناعتها. وغطت نشاطات إدارة النوادي مجالات بطاقات الدخول و الإعلانات والانتقال من اتحاد إلى آخر والمباريات التجارية والبث التلفزيوني والإدارة التجارية.
وقبل ربع قرن، لم يكن نظام الدوري لكرة القدم في الصين وأيضا لم يكن هناك قيمة للحجز في المباريات ولا نواديها، وكان البث التلفزيوني للمباريات نادرا. أما اليوم فهناك نظام الدوري لكرة القدم على مختلف المستويات، كما ظهرت منظومة النوادي بصورة أولية – تضم جلب مساعدات أجنبية للاندماج بالعالم، وأيضا البث التلفزيوني المباشر لمباريات الدوري الصينية والأجنبية بل ظهر يانصيب كرة القدم.

النتاج الآخر للاحتراف كان دخول بعض اللاعبين الصينيين في مباريات الدوري الأجنبية.
هل يمكن لهذه النتيجة ان تعد انتصارا للاحتراف الفردي على رعاية الدولة؟
الجواب: لا، ونعم.
لا، لانه لولا رعاية الدولة لما كان الرياضة في الصين حققت كل تلك النتائج على المستوى العالمي. ونعم، لان عالم الرياضة المعاصر صار يجب ان يأخذ بعين الاعتبار الدوافع الذاتية. فالتفوق الرياضي جهد ودافع شخصي الى حد بعيد. ويجب، ان يكون جذابا ومغريا ومجديا على مستوى الرفاهية التي يحققها للأفراد المتفوقين. وهذا المستوى هو بالأحرى الذي يدفع الرياضيين الى المنافسة والى السعي لارتقاء القمة.
ولعل كرة القدم احد أفضل الأمثلة على أهمية الاحتراف. فالاحتراف الرياضي دخل حيز التنفيذ في جسم الرياضة الجزائرية إثر أفكار ودعوات في الوسط الرياضي نادت بتطبيقه، أملاً في أن يؤدي ذلك إلى تطور نوعي للألعاب الرياضية خاصة كرة القدم. ووردت هذه الأفكار في مداخلات المسيرين والقائمين على الرياضة ووجدت صداها في توجيهات الجهات الوصائية بتطبيق الاحتراف للعبة كرة القدم. وقد برزت أكثر من ظاهرة أثناء تطبيقه تجلت في:

“1- سعي الأندية الكبيرة لجذب أصحاب رؤوس الأموال لتمويل عملية الاحتراف، وتصدرت أسماء التجار الكبار رئاسة هذه الأندية، اعتقاداً منها أن الحل يكمن باستقطاب هؤلاء، وفاتتها المخاطر الكبيرة التي ستترتب على توقف هؤلاء الممولين عن الدفع لمختلف الأسباب وبأي لحظة يريدونها كما حصل لعدة نوادي.

“2- تهافت الأندية على استيراد اللاعب الأجنبي ودفع الأموال الطائلة له، بهدف الوصول إلى البطولة، وتجاوزت المبالغ المدفوعة الملايين للاعب الواحد، بغض النظر أحياناً عن المستوى الفني له.

“3- وتتعلق بالمستوى الفني للعبة كرة القدم والآمال التي كانت معقودة على مبدأ الاحتراف بتحسين المستوى وتطويره. وانعكس ذلك على الرؤية غير الصائبة لدعاة الاحتراف، والمتمثلة في استقدام اللاعب الأجنبي الذي ظهر غالباً بمستوى متواضع، وصرف النظر عن المواهب والإشراقات الرياضية المحلية من جهة وعدم التخطيط العلمي والمبرمج للنهوض بأداء اللاعب محلياً من خلال الدعم والاهتمام والرعاية لأن اللاعب المستورد سيبقى هدفه مادياً وخارج إطار المنتخبات الوطنية. بينما المحلي سينخرط بتمثيل الوطن عبر منتخباته للمشاركة في البطولات والدورات الرياضية التي من خلالها يقاس تطور الألعاب الرياضية فنياً.

ولكن تجدر الاشارة ولفت النظر الى زاويتين أخريين هما:

1- المقولة السائدة بأنه في ظل نظام الاحتراف فقط يمكن التطوير ورفع مستوى الأداء الرياضي سقطت أثناء وجود دول المنظومة الاشتراكية التي اعتمدت مبدأ الهواية في تطوير حركتها الرياضية واعتمدت أسلوب التخطيط العلمي والبرمجة في الإعداد والتحضير للألعاب الأولمبية، والتي هي المقياس الحقيقي للتفوق الرياضي على الصعيد الدولي.

2- تحت سقف نظام الاحتراف يصبح الإنسان سلعة تسوق كغيرها من السلع، وتخضع لقانون اقتصاد السوق في مسألة العرض والطلب لتحقيق الربح المادي عن طريق استثمار رؤوس الأموال للنشاط الرياضي، ولاسيما أن نظام الاحتراف يعني حق التملك لوسائل هذا النشاط وعناصره. والاحتراف بحد ذاته من نتاج المجتمعات الرأسمالية المستندة إلى الملكية الفردية القائمة على الاستغلال المادي، بصرف النظر عن دوافع هذا النشاط الإنساني وأهدافه التربوية والوطنية.
ما دام الربح قاعدة مبدأ الاحتراف، فانه يبيح استخدام كل الطرق والوسائل الشرعية وغير الشرعية كالمنشطات المحرمة دولياً، لأنها تشكل خطراً كبيراً على حياة الإنسان، وقد تودي بمتعاطيها إلى حتفه، والشواهد كثيرة في هذا المجال. وفي كل الأحوال يصبح الإنسان وحياته من أرخص السلع ما دام الهدف هو الوصول سريعاً إلى الربح”.

ولكن، إذا كان لا يمكن للمرء ان يقيس على الاستثنائي والشاذ او المتطرف، وخاصة بالنسبة لاستخدام المنشطات، فالحقيقة هي ان الاحتراف يشكل المنطلق العملي الوحيد لتنمية وتطوير القدرات، على الأقل لانه يوفر الدافع، كما انه يجعل من المنافسة جذابة ومؤثرة، وهو ما يمكن ان يستقطب المزيد من الاهتمام، ويساهم بالتالي في “انتاج” المزيد من الرياضيين. إلا ان ذلك لا يغني عن الحاجة الى رعاية الدولة التي يتوجب ان توفر المستلزمات الضرورية لصنع رياضيين متفوقين.
الشيء الناقص في بلداننا هو ان الدولة نفسها لا تتعامل مع الرياضة على انها “صناعة”. فبرغم انها ترى كم تستقطب هذه “المهنة” من “أيدي عاملة”، وكم تساهم في “دورة الإنتاج”، سواء بالأموال التي تجنيها وتنفقها الأندية، او بـ”البضائع” المتعلقة بالنشاط الرياضي، إلا انها ما تزال تنظر الى “الخدمات” المحدودة التي تقدمها للرياضيين الشباب، على أنها “مكرمات” و”هبات” وعمل من أعمال العطف.

هذه النظرة، ليست خطأ فحسب، ولكنها ضارة أيضا. فالرياضة صناعة. ومحترفوها منتجون، وجمهورها “سوق”. وبما انها صناعة فانها تتطلب استثمارات حقيقية، لا مكرمات ولا أعمال عطف.

نعمان عبد الغني عضو المجلس الدولي للتربية البدنية والصحة والتعبير الحركي 

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *