السويد – علي النعيمي/ (خاص) صحيفة الرياضة العراقية:
حبيب فتح الله , لاعب مهاري من طراز رفيع ، ذُبحت موهبته الكروية الفذة تحت مقاصل السياسة التي مزقت لوحة إبداعه بنصل سكاكينها الحادة التي لا ترحم احد أبداً.

فبدلاً من أن يبدأ نهاره العادي بمطالعة أخبار فريقه الذي لعب له لعدة مواسم خلت أي الحرس الملكي ، ومتابعة نتائج آليات الشرطة والقوة الجوية ، كان يمسك قلمه الرصاصي غير المبري ، ليحرك مقصه الصغير ليقتص أهم المقالات والأعمدة السياسية الهامة ، على أن يرد عليها في سكون الليل بعد أن ينام الجميع ، وتحت اسم ٍ مُستعار ، ملخصاً لزملائه وخصومه كل ما كان يؤمن ويعتقد من أفكار في تلك الفترة.
لكن حكاية اليوم لا تختص بنشاطه السياسي فحسب ، ولسنا هنا بصدد عمل مراجعات تأريخية وايدولوجية لحقب نضاله المنصرم ، لكنه سياق حديثه الرياضي الساحر أجبرنا عنوة على رصد ابرز مكابداته الرياضية في الحقبة الملكية ، وعليه قررنا ان نخصه اليوم بهذا المقال البسيط ، لنرى معه الحياة بعيون الرعيل القديم ، وهم يسردون خبايا الماضي الدفين بكل تفاصيله ودقاته ، وكيف كانت رياضتهم نقية صافية من أي تبعات سياسية داخل الملعب او في مجال العمل الإداري ، وان كل النشاطات والممارسة السياسية كانت تجري في أطرها ومضاميرها المنطقية الصحيحة ، بل وحتى قمة الهرم الإداري الرياضي كانت بعيدة كل البعد عن حلزون المحاصصة وعقرب الاستقطاب اللعين القائم على الولاءات.
ابو سامان كما يحلو لرفاقه مناداته ، سرد لنا طرائفه النادرة عن فصول مشواره الطويل كلاعب , إذ يقول: في العهد الملكي ، كان العراق يعيش بأفضل حالتيه الرياضية والاجتماعية ، فللاعب الذي كان يلعب للحرس الملكي او للقوة الجوية يلقب (بالباشا) او (البيك) ، لأن راتبه الشهري آنذاك كان لا يقل عن 40 دينارا ، وهو مبلغ ضخم قياساً لشاب في مقتبل العمر ، بيد أننا كنا نعاني من مشكلة مضحكة ، كثيراً ما شكلت لنا عقبة كؤود أمام تواصلنا في الملعب ، أو دعنا نقل على أنها رغبة جامحة تضرب الإنسان وتقوده إلى نواصي التجريب والتقليد ومن ثم التغيير وحب كل ما هو جديد , في تلك الفترة كانت أسواقنا تعج بالبضائع الانكليزية القادمة من مستعمراتهم ، ومنها التجهيزات الرياضية المستوردة ، الطريف في الأمر عندما كانت تأتينا الفريق الأجنبية الصديقة ، فأن أول ما كنا نلاحظه ونرقبه فيهم هو أحذيتهم التي كانوا يرتدوها!! ، وهي غير التي كنا نلبسها إثناء اللعب ، حيث كنا نرتدي أحذية من ماركة (الگريگر) وبأشكال تمتاز (بـالبوز) المكور المرتفع قليلاً من الأمام أي مقدمة الحذاء ، وكأنها أحذية عمال المناجم والورش الصناعية حالياً , ومهما بحثنا وجبنا المعارض والوكالات في يومها, لم نجد غير هذا الشكل الرائج ، وبشتى ألوانه ومقاساته ، وعندما كان يرتدي احدنا حذاء جلبه من الخارج مثل ماركة (Adidas) الألمانية التي لم يمض على إنشائها لحظتها غير عدة سنوات معددة ، كانت تضرب دواخلنا مشاعل الغيرة والحسد , كونه شيء مميز ويختلف عن المألوف , واستمرت معاناتنا هذه طويلاً ، حتى جاءنا الفرج على يد اسكافي اسمه ((جلال)) ، حيث قام بتصميم أحذية على طراز الماركات الأجنبية الأخرى ، لدرجة إن كل اللاعبين في تلك الفترة كانوا يؤمون محله الصغير المتواضع ، الذي لا تتجاوز مساحته الـ (2×2) متر ، لدرجة أن كل المقاهي من حوله كانت تعج باللاعبين الذين وفدوا إليه لعمل القوالب من اجل خياطة الأحذية على مقاسهم وانحرافات أخامص أقدامهم ، حتى أنه كان يعالج بشكل غريب ظاهرة تسطح القدم وبطرق بدائية!! ، فذاع صيته في بغداد ، وبدأت الأوساط الشعبية تلقبه بـ(جلال أدي داس) ، لإتقانه الحرفة ، ولبراعته في تقليد كل الأحذية العالمية ، ولتحقيق كل رغباتنا كلاعبين من حيث الأناقة والكمال.
الحديث مع أبو سامان لا يمل ولا يكل ، لكنه وبعد هذه الرواية , توقف عن الكلام متنهداً بهدوء ، وإستغرق في تأملٍ عميق كأنه إستذكر شيئاً أثار شجونه , عاد ليرفع رأسه نحوي مصوباً نظراته إلى صور الماضي ، قائلاً: ما خطب لاعبو اليوم!؟ ، أحدهم يرتدي مثلما يرتدي رونالدو وميسي وأي لاعب عالمي آخر , كل شيء متوفر لديهم ومتفرغين بشكل كامل لكرة القدم ، عكس حياتنا السابقة المزدحمة التي كانت تبدأ فجراً بالعمل في جحور أفران (الصمون) ، لإعالة أسرنا ، وبعدها الذهاب إلى المدرسة ، لنعود في الظهيرة للغداء والقيلولة ، وبعدها إلى الملعب مباشرة ، وفي الليل ، في التنظيمات والعمل الحزبي , كل ذلك ولم يفت في عضد تألقنا شيئاً ، ولم يؤثر إطلاقاً على إبداعنا في الملعب.
خاتماً حديث الذكريات بكلمات لا يدركها إلا من عاصره وزامنه ، ظل يهمس بها إلى نفسه: رحم الله أيام جلال ، والمال الحلال ، وفترة الكفاح والنضال.

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *