لنـدن / إحسـان كريم ديبـس-صحيفة الرياضة العراقية-اليوم هو السبت ، والساعة هي العاشرة صباحاً ، وكالعادة في مثل هذا الوقت من بداية عطلة كل أسبوع في الدول الغربيـة ، تـُطرق الباب على أبني أحمد ذو العشر سنـوات والمستعد للخروج برفـقـة ( مدربـه ) الذي يأتي بسيارتـه الخاصـة لغرض إصطحابـه الى ساحـة الملعب الذي يتمرن فيـه فريقـه الناشيء مع مجموعة من الصبية الذين يساوونه بأعمارهم .

وبعد أربع الى خمس ساعات من التمارين النظرية والعملية بفنون كرة القدم المختلفـة يعود أبني ليروي لنا تفاصيل التمرين وما فعلـه خلالـه وهو بأشد الفرح والسرور .يتكرر المشهد نفسـه يوم الأحـد التالي ، إلا أن التمرين هذه المرة لا يزيد عن ثلاث ساعات لكي يهتم أبني بتحضير واجباتـه لليوم الدراسي التالي .وخلال أيام الأسبوع الدراسـية ينحصر التمرين في يومين مختلفين ، على إن لايزيد عن ساعتين في كل مرة . وهكذا تكرر هذه الحالة طيلة أيام السنـة إلا في بعض العطل الرسميـة التي يأخذ فيها الجميع إستراحة .وخلال ذلك ، وإذا ما كانت هناك مباراة لفريق أبني ، فستكون هناك دعـوة خاصة من المدربين والمشرفين على الفريق لآباء وأمهات الصبية اللاعبين لحضور تلك المباراة التي يتخللها توزيع جوائز تقديريـة لجميع اللاعبين دون النظر لنتيجة المباراة ، والغايـة من حضورنا هي لمشاهدة أولادنـا خلال المباراة وكذلك ليزداد حماسهم عند علمهم بتواجدنـا .بالطبع ما رويتـه من هذه المقدمة كان خاص بمدينتنا الصغيرة ، وهي بالتأكييد تتشابـه في كل مدن الدولة التي أقطنـهـا ، كبيرة كانت أو صغيرة .ولا أشـك ابـداً أن هذا الحال ليس خاص بالدولة التي أنا فيها ، بل أكاد أجزم أن جميع دول الغرب تقوم بنفس الدور إن لم يكن أكثر . ولأن الموهبـة من الله كما يقال ، وليس الجميع بنفس المسـتوى الفني، ولكل طاقتـه ومقدرتـه في اللعب ، فمن الطبيعي جداً أن يكون الأهتمام اكثر بالموهوبين الذين يرى المشرفون فيهم جيل المستقبل .

فعنـدئذٍ يكون التركيزعلى كيفية تطوير قابليتهم الذهنيـة والعلميـة وكذلك الثقافيـة ، ويكون ذلك في مراكز ومؤسسات خاصة أنشـأت لرعايتهم تتكفلها عـدة جهات رسمية وغير رسميـة ، وتصرف على ذلك الملايين مقابل أن يجنوا ثمارهذا الجيل مستقبلاً .ولايجد المشرفون المهنيون على هذه المؤسسات كَللٍ أو ملل في كيفية تهيئة سبل تطويرهؤلاء ليكونوا بعد ذلك نجوم اللعبـة في بلدانهم ، وكذلك إستمرار البحث عن موهوبين آخرين ليكونوا إمتداداً للذين سبقوهم ،وكل ذلك ياتي بعقليـة مهنيـة لاهـمّ لها سـوى الحفاظ على الموهوبين في بلدانهم وكيفية إستغلالهم بما يخدم البلـد الذي ينتمون اليـه .

بعـد كل هـذا دعـونـا نطرح السـؤال التالي ،

تــرى هل صادف هذا الشـيء في عراقنـا ؟؟

الجواب بالتـأكيد .. كلا ..

والأسباب في ذلك كثيرة ، منها ما تقشعرالأبدان وتملأ القلوب حسـرة ، ومنها ما تعود للظروف التي مر عليها البلد ومازال ، ومنها ما لا يذكر في هذا المجال .إلا أن أكثر هذه الأسباب وأهمها هي عدم إمتلاكنـا العقليـة العلميـة والمهنيـة التي تتقلد زمام الأمور في البلد ، وأعني هنـا العقليـة الرياضيـة كوننـا نتحدث عن الجانب الرياضي فقط .ويفتقر جميع مسؤولي رياضتنـا لأبسط عوامل البحث عن الموهوبين في شتى الألعاب الرياضيـة الذين يزخر بهم عراقنـا ، والذين يتواجدون في جميع مدنـه وأحياءه .والطامة الكبرى أن الموهوب لا يعني لهم شيئـاً ، وكأنهم مثل الفقير الذي لايبحث إلا عن ( خبزة اليوم ) ليترك يوم غـدٍ لمن بيده الغــد ، وهذا الكلام سمعتـه من أكثر من مسؤول رياضي ، ونقله لي أيضاً عدة أصدقاء خلال لقاءهم بعدد من المسؤولين .

فأذا كانت عقليـة المسؤول تبحث عن خبزة اليوم فقط ، فكيف للدولـة أن تجد موهوبيها ؟؟

نعم لا أنكر أن هناك بعض المحافظات أخذت على عاتقها ( مؤخراً) رعايـة الموهوبين ، وأنتهجت بذلك منهج الدول الغربيـة بكيفة تطويرهم ، فقامت بفتح مدارس للكرة ترعى فيها من تجد فيه الموهبـة في الكرة ، وإن كانت تلك المدارس دون مستوى الطموح ودون أي رعايـة خاصـة من المسؤولين ، ولا تشبه المدارس الغربيـة في طريقة التعامل والتطوير ، ولكن هي خطوة قد تكون بدايـة لما نريد .

كما أن هذه المدارس تنتظر لمن يطرق بابها وليس كما اسلفنا في الدول الغربيـة من تعيين الذين يبحثون عن الموهوبين ومن ثم إحتضانهم فيها ، ولهم العذر في ذلك لأن الحال من المحال .

وعلى هذا الأسـاس فإذا أردنا فعلاً ان نرتقي ولو قليـلاً لمصاف الدول الغربيـة أو حتى بعض الدول العربيـة التي بدأت تتخذ هذه الخطوات في البحث عن الموهوبين ورعايتهم ، فلابد لنـا بالبحث أولاً عن العـقلية المهنية التي تستطيع القيام بهذا الدور الكبير، لأنـه الأساس في ذلك ، ولابد أيضاً أن تفتح عـدة مدارس ومؤسسات لهذا الغرض على ان تمـد بأموال كبيرة تستطيع من خلالها تأدية دورها بالشكل الصحيح ، لا أن تترك دون أدنى رعايـة لها .

ولا أعتـقد ذلك بالمستحيل أو حتى صعباً إذا ما علمنا بقدر الغنـى الذي عليـه عراقنـا قبل أن تقتـل مواهبنـا أو يلتقطها دول الغرب .

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *