فتاح نصيف

احبتنا القراء نكمل وأياكم الجزء الثاني للقاء الذي اجري في قطر للحارس المبدع فتاح نصيف ومادار في خبايا هذا اللقاء الشيق …دخول العراق إلى أميركا؟
كيف دخل المنتخب العراقي أميركا – لوس انجلوس الاولمبياد (1984)…؟ يقول نصيف ان قصة دخول العراق لـ أميركا عبارة عن مجموعة من المآسي والتجارب المرة والأليمة لقد كنا أول فريق عراقي يلعب في الولايات المتحدة الاميركية… كنا نتوقع اهتماما خاصا بهذه المشاركة وذلك بعد تجربتنا المخيبة في اولمبياد موسكو لكننا كالعادة لم نتعلم الدرس وشاركنا في الاولمبياد بدون كتيب عن حضارة وتاريخ العراق وبدون أي دعاية إعلامية عن العراق والكرة العراقية والمنتخب العراقي… فريق يتأهل إلى الاولمبياد في ظروف الحرب العراقية – الإيرانية لم يتم إعداده بصورة لائقة، لا مباريات قوية ولا مدرب محترف ولا اهتمام بـ اللاعبين… مع الأسف الشديد لم يستغل العراق التجربة.

قمة الكرة العراقية كانت في كأس العالم المكسيك (1986) وقمة الانحدار في (2010)!!
تأهل العراق إلى المكسيك (1986) كان قمة انجازات الكرة العراقية… الكرة العراقية في تلك الفترة الزمنية كانت الأقوى في اسيآ بلا منازع… فريق يضم نجوم في معظم المواقع… فريق متكامل من جميع النواحي سواء الجسدية او الذهنية، قوة، لياقة، خبرة، لاشيء ينقص الفريق… حتى التكتيك الفني ارتفع بوجود المدربين البرازيليين… مع الأسف هذا الصعود والتطور لم يحافظ عليه العراق… ومنها بدأ التراجع والتأخر.
العراق في المراحل الأولية من التصفيات كان مستواه عاديا بلغ قمته إمام سوريا في مباراتي التأهل… تطور ملحوظ في مراحل الإعداد… مستوى مقبول رغم الخسارات الثلاث في المكسيك… انحدار تدريجي بعد المكسيك.
في المكسيك حدثت وقائع عديدة حيث بعد رابع يوم لنا في هناك قررت العودة إلى بغداد وترك المنتخب العراقي بسبب ما حدث لي إثناء إحدى الوحدات التدريبية… كان ايفرستو قاسيا معنا للغاية… كان يسعى إلى رفع اللياقة البدنية لأقصى ما يمكن… نتيجة هذا الجهد المضاعف والمكثف أغمي علي وفقدت الوعي… تم علاجي بسرعة وبعد ان (صحصحت) جاءني قاسم محمد (أبو حديد) مدرب حراس المرمى وطلب مني ان نباشر التدريبات وخشيت ان يفسر هذا الموقف في زاوية التخلي عن الواجب الوطني وبالتالي أتحمل كل تبعات المسؤولية لكني فضلت الاستمرار وعدم إثارة أي مشكلة جانبية.

أما تشكيلة المنتخب العراقي فقد بقيت غامضة واعتقد ان هنالك تدخلات في تسمية المنتخب بيد أني تفاجأت من عدم دعوة فلاح حسن وإهماله واستغربت من وجود (5-6) لاعبين دللت مستوياتهم لاحقاً بأنهم لا يستحقوا مشاركة وتمثيل المنتخب العراقي في كأس العالم – المكسيك (اعتذر عن عدم نشرها للأمانة الإعلامية).

ومن الأمور الأخرى التي رواها الكابتن فتاح نصيف عن مونديال المكسيك هي إصابة درجال التي حطمت معنويات وطموح الفريق، أما بعض اللاعبين فقد أخفوا خبر إصابتهم وشاركوا في البطولة لأنهم كان يسعون للظهور أمام العالم من اجل الاحتراف ما بعد كأس العالم.

تجربة المكسيك لا تنسى من الذاكرة كنا نسعى للعب أمام كبار العالم كنا نفتقد هذا الشئ…كل التجارب الماضية كانت ضعيفة لا توازٍ هذه التجربة… مباراة العراق أمام المكسيك لا تنسَ من الذاكرة والمنتخب العراقي قدم ما عليه وسط ضغوط البلد وتدخلات والمسؤولين في مشاركة العراقي الوحيدة في نهائيات كأس العالم… بالطبع كان بإمكان الفريق تحقيق نتائج أفضل من ذلك لو استلم ايفرستو المنتخب منذ وقت مبكر… تسمية ايفرستو جاءت متأخرة وهدف الرجل كان تشريفي ليدخل اسمه سجل بطولات كأس العالم… ايفرستو كان معجب للغاية بقابليات اللاعبين وقال لنا بأنه كان بإمكانه ان يدخل مع العراق التاريخ الكروي العالمي بإيصال العراق إلى ادوار متقدمة (دور الثمانية على اقل تقدير) لو استلم مهمة تدريب المنتخب العراقي قبل وقت مبكر… لا أنكر عليك كلاعبين كنا نحلم بملاقاة منتخبات على هذا المستوى… لا انكر ان المباراة الوحيدة التي شاركت بها في نهائيات كأس العالم كانت أمام المكسيك كانت أهم مباراة لي في تاريخي الكروي… كنت أتمنى ان أخوض العشرات من هذه المباريات… كنا نعشق التحدي (حلم مشروع… بدون سعي حقيقي من اتحاد الكرة العراقي)، الكرة العراقية في تلك الفترة أضحت قريبة إلى العالمية وبدل من اختزال الفارق البسيط الذي وصلته تم إهمالها ليتسع الفارق بعدها… المكسيك كانت اقرب نقطة لـ العراق من العالمية… والعراق في (2010) وصل إلى ابعد نقطة له مقارنة بالعالمية (تصنيفه أصبح 107).

بعد المكسيك حرمنا من كل المعونات التي قدمت لـ العراق نظير مشاركته وحتى معدات اللاعبين الشخصية تم سحبها في بغداد بعد العودة!!

وتساءل نصيف لماذا كان العراق ينظر إلى منتخبات وبطولات الخليج باهتمام (هدف أساسي) دون النظر إلى الأعلى إلى المستويات العالمية مثل كأس العالم (بالتأكيد انه خلل فظيع لم يعالج قبل وبعد المكسيك لذلك لا تستغرب لما حل بالكرة العراقية)!!

وقد قيّم نصيف بعض المدربين ممن قادوا المنتخب العراقي خلال المراحل المتعددة للتأهل وفي نهائيات كأس العالم على النحو الأتي:
أكرم سلمان و واثق ناجي – لم يضيفا أي جديد ولم تختلف أساليبهما عن أساليب المدربين العراقيين في المراحل السابقة واللاحقة.
جورج فييرا – مدرب كبير ومحترف… أُبُعد من قبل الاتحاد بطلب من احد اللاعبين لعدم قناعته به.
ايدو – مدرب عادي.
ايفرستو – عبقري وكان في مهمة تشريفية له.

ظلمت في بداية ونهاية المشوار!!
وكشف لي نصيف الظلم الكبير الذي تعرض له لاعبو الكرة العراقية نتيجة قرارات فردية متسرعة… وتحدث بمرارة عما حدث له في بداية ونهاية مشواره مع المنتخبات العراقية… كنت ضمن تشكيلة المنتخب العراقي التي استدعاها المدرب الاسكتلندي داني ماكلنن للمشاركة في كأس الخليج الرابعة قطر (1974) وكان ماكلنن مقتنعا بي تماما لضمي للقائمة النهائية إلا إنني أبعدت عن المنتخب في اللحظات الأخيرة قبل السفر إلى الدوحة بسبب تدخل فهد جواد الميرة رئيس اتحاد الكرة العراقي في حينه والذي طلب شطب اسمي وطالب بوضع الحارس الزميل جلال عبد الرحمن بدلا عني!!

إما المفاجأة التي فجرها الكابتن نصيف في هذه القائمة هو إجباره على الاعتزال رغماً عنه… وعندها قلت له كيف حدث ذلك؟ أجاب كنت في قمة مستواي أدافع عن العرين العراقي في التصفيات الآسيوية للتأهل إلى الاولمبياد سيول (1988)… تتذكر معي مباراة العراق أمام الامارت الأخيرة على أرضها في التصفيات الأولية كنا نحتاج إلى التعادل او الفوز للتأهل… كنت قائدا للفريق، قبل مغادرة بغداد سألني عدي ماذا تعدني… قلت له سنفوز بـ الثلاثة… في تلك المباراة حدثت ظروف غير طبيعية… تقدم المنتخب العراقي بهدف بعد نهاية الشوط الأول… في فترة الاستراحة ابلغني مؤيد البدري برسالة عدي لي بقوله الفوز بهدف يتيم يكفي والثلاثة غير مطلوبة… المهم انهينا المباراة بفوزنا (3-0) كما توقعت وأبعدت ركلة جزاء في وقت مهم من المباراة، بعدها طلب مني الحضور للمشاركة في المؤتمر الصحفي وقد لاحظت بوجود بعض الأقلام العربية المأجورة التي سعت إلى تأزم العلاقات الرياضية بين العراق والإمارات عبر إثارتهم أسئلة لا علاقة لها بالشق الرياضي فوجدتها فرصة مناسبة لإسكاتهم أمام الملأ لأنهم ساهموا في توتر الأجواء ووضعوا الفريق العراقي تحت ضغوط غير طبيعية… وتأخرت متعمدا من الذهاب إلى المؤتمر وعندما جلست في القاعة نهرتهم بشدة لكل ما كتبوه وتركت المؤتمر الصحفي… طلبت من إدارة الوفد ان نبقى في الإمارات يوماً إضافيا للتجول والراحة والتسوق ومشاهدة البلد الجميل… جاءنا الرد من بغداد بكلمة (لا) والعودة فجراً إلى بغداد (بعد 4 ساعات من انتهاء المباراة)… بعدها بدأت قصة إجباري على الاعتزال… عدنان درجال أوضح لي بان هناك شيء ما يجري في الغرف المغلقة بغية إقصائي… بعدها تحدث عمو بابا بشكل رسمي معي طالبا مني الاعتزال قلت له لماذا؟ أجابني بـ سؤال هل ترضى او تقبل ان تكون احتياطياً لـ رعد حمودي العائد تواً من الإصابة؟ أجبته وما الجديد في ذلك!! فانا لاعب محترف والمستوى هو الذي يحدد من يكون في التشكيلة وقبلت بذلك في معظم المراحل السابقة… واستشفيت في طرح الراحل عمو بابا على أنها رسالة ضمنية تفوح منها رائحة الإقصاء فرفضت تكملة النقاش معه إلا انه وخلال سفري مع ناديّ “الجيش” إلى بلغاريا جاءني اتصال من بغداد يقول فيه ان “البعث الرياضي” خرجت في مانشيت تقول فيه “فتاح نصيف أعلن الاعتزال الدولي عن اللعب”… قصة إقصائي كانت طعنة من الخلف اعرف من كان وراءها إلا إنني سكت على مضض وقبلت بواقع الحال على ما فيه من مرارة ونكران.

وفي يومها، وبعد خروج منتخب العراق في مرحلة لاحقة من تصفيات كأس العالم (1990) وذلك الخطأ القاتل الذي وقع به حارس منتخب العراق آنذاك احمد جاسم وتسبب في تعادلنا أمام قطر (2-2) عزت الصحافة العراقية كما اخبرني به الكثير من الزملاء بأن إحدى أسباب عدم تأهل العراق إلى كأس العالم ايطاليا (1990) هو غياب الحارس الكفء الأمين آنذاك ويقصدون هنا غيابي عن المنتخب… طريقة إبعادي عن التمثيل الدولي قسرياً فكما تعرف ان صنع حارس المرمى عملية معقدة والحارس هو اللاعب الوحيد الذي باستطاعته الاستمرار بـ اللعب حتى سن الأربعين. وسبق ذلك إذ كنت أفضل حارس مرمى في الدوري العراقي بالأرقام (13) مباراة لم يدخل مرماي هدف, كلها وغيرها مؤشرات دلت باليقين بأن هناك أيادي خفية كانت وراء إجباري على الاعتزال.

كانت خبرتي مطلوبة في تلك المباراة لكن الكادر التدريبي لم يكن له بعد نظر واستعجل على التغيير ولم يتعظ من خطأ مماثل وقع فيه في وقت سابق الحارس احمد جاسم في دورة الألعاب الآسيوية عندما دخلت مرماه كرة من ركلة ركنية في مباراة العراق أمام الإمارات التي خسرها العراق (0-2). باختصار إبعادي كان مبكراً وكنت حينها في قمة مستواي.

أنا والسياسة والسياسيين!!
بعد التغيير (2003) رفضت ان اعمل في السياسة رغم ان الكثير من الأحزاب الحاكمة حاليا اتصلت بي وعرضت علي انضمامي إلى قوائمهم السياسية… لكني رفضت الفكرة من أصلها لسبب بسيط لأني لا أريد ان احسب على طرف واخسر تاريخي وشعبيتي التي اكتسبتها بين العراقيين في بغداد والبصرة والموصل وغيرها… لا أريد ان ادخل السياسة واشوه صورتي بين أبناء العراق.

قابلت الرئيس السابق “صدام حسين” سبع مرات جميعها في مناسبات رياضية “تكريم جماعي” وكان يحترم ويقدر إمكانياتي وأطلق علي بـ “البطل الحقيقي”… وقال لي في إحدى المقابلات اطلب ما تريد… اعتذرت منه بأدب.

نصيف يتسلم كتابه الكرة العراقية انتصارات ام انتكاسات لمؤلفه د.كاظم العبادي

اللجنة المكلفة لتسمية مدرب العراق لم تسمي درجال مدربا للمنتخب لكن عدي اختاره بـ الإجماع!!
وفي اغرب القصص التي حدثت وصف نصيف عملية اختيار مدرب المنتخب العراقي لتصفيات كأس العالم (1994) بأنها قصة مضحكة… استدعى عدي اعضاء الاتحاد وانا من ضمنهم لتسمية مدرب المنتخب وقال… خزانة اتحاد الكرة العراقي خالية من الدولارات وليس بإمكان الدولة تخصيص أي دولار لمنتخب العراق لكرة القدم والبلد في حصار… لذلك لابد علينا من تسمية مدرب محلي لهذه المشاركة والأسماء التي إمامكم هي: عمو بابا، أكرم سلمان، أنور جسام، عدنان درجال، يحيى علوان… علينا باختيار احدهم… أتذكر ان مؤيد البدري اختار عمو بابا، واختار ثامر محسن أكرم سلمان، ورفضت ان أشارك في الاقتراع باعتذاري وقولي ان بابا، سلمان، وجسام كانوا أساتذة لي ولا استطيع تقييمهم، ولم يطرح اسم درجال من قبل أي من الذين استدعاهم عدي لتسمية مدرب المنتخب… قال عدي أعطوني مهلة للاستراحة وسأعود لمواصلة الاجتماع… انتظرنا عدي في غرفة الاجتماعات ثم عاد حاملا سيجاره ومعه عدنان درجال… وحاول ان يكون ودودا مع الجميع بسؤاله عما إذا احد يرغب بتدخين السيجار وقدم لي سيجار مماثل بأسلوب ودي… ثم وجه الكلام إلى عدنان درجال قائلا: عدنان لقد أسميناك مدربا للمنتخب العراقي لكرة القدم بالإجماع!! فماذا تقول وبماذا تعد الحاضرين… أجاب درجال قبلت المهمة واعدكم على إيصال المنتخب العراقي إلى نهائيات كأس العالم في أميركا ورقبتي إمامكم ان لم أحقق هذا الهدف، وطلب منه ان يسمي مساعداً له من الأسماء المطروحة فاختار يحيى علوان.

* اللاعب العراقي المدلل حولوه إلى دلال!!
أسوء مشهد حضرته في تاريخ الكرة العراقية كان في التسعينيات إبان فترة الحصار… حيث تحول لاعب المنتخب العراقي إلى دلال يحمل السجائر ليبيعها في الأردن ويعود بالطحين لبيعه في بغداد… موقف أثارني للغاية… اللاعب العراقي لم يحترم ولم يقدر… والمال كان مشكلة كبيرة… .. كيف تريد من اللاعب ان يخلص للبلد ويقدم ما لديه وانت لا تقدره ولا تكرمه… وهو يشعر بالفقر والعوز وهو في بلده وبين ناديه ومنتخبه؟؟

1 Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *