
موفق عبد الوهاب-صحيفة الرياضة العراقية
على مدى بضعة أسابيع مضت ناقشنا وفي أكثر من مقال وضعنا الرياضي، بالأخص في كرة القدم عقب خروجنا من كأس الأمم الآسيوية، وما سبق ذلك من مستويات ونتائج للكرة العراقية لا تتناسب مع طموحاتنا وإمكاناتنا الفنية، إذ سبق لنا القول بأن الرياضة وكرة القدم بإعتبارها هماً إجتماعياً وثقافة سماعية
تدخل كل بيت فقد أتاحت الفرصة لكل من أراد أن يناقش وضعها ووضعنا الرياضي عموماً، وهو حق من حقوقهم بإختلاف مستوياتهم الأكاديمية والثقافية دون إستناد البعض منهم إلى معايير واضحة ومقنعة لهذا النقد، فيما ظل خطابنا الإعلامي الرياضي يمارس نوعاً من جلد الذات عقب كل بطولة نخسرها مهما كانت نتائجنا ومرحلة عطائنا فيها، وتطرقنا سابقاً إلى مجموعة عوامل ساهمت في هذا التراجع في النتائج وفقد الهوية مثل الإحتراف كمفهوم وتطبيقه بمفهوم منقوص على أرض الواقع، والمنشآت الرياضية، ومسابقاتنا الرياضية وغيرها، لذا يتحتم علينا الآن أن نتناول ونناقش واقع الأندية لأنها الأساس وهي اللب فإذا صلُحت صلُح المنتخب، وإذا لم تستطع القيام بدورها على الوجه الصحيح سينعكس ذلك سلباً على المنتخب.
إذ تعتبر الأندية كالمصانع فهي تقوم بصنع اللاعب في معاملها ومختبراتها، وتقوم بإعداده وتشكيله فنياً وبدنياً وثقافياً وفكرياً لأنه( اللاعب) محور العملية ككل، وهو العنصر المؤثر في الفريق وبالتالي في المنتخب، صحيح أن للمدرب دوره وللإداري تأثيره، لكن وجود الإداري المؤهل والمدرب الناجح لا يكفي عندما يكون اللاعب غير مؤهل، لا يكترث، غير قادر على إستيعاب هذا الفكر والتعامل معه في حين أن اللاعب الكفء والمؤهل فكرياً وفنياً قد يغطي جوانب الضعف الإداري أو الفني بعض الشيء، الأندية لدينا لم تعد تهتم بالناشئين والشباب حيث أصبحت تجد البديل الجاهز في ظل ما يسمى بالإحتراف، في السابق الخيارات لم تكن موجودة، ولا توجد فترة إنتقالات، أو سوق حرة للاعبين، ولا عقود، فكانت هذه الأندية تهتم ببناء القاعدة والبحث عن المواهب لإعدادها وإبرازها، لذا كانت الكرة العراقية (ولادة) كما يقولون وكانت منتخباتنا للشباب والناشئين تتصدر البطولات الإقليمية والقارية، بل ووصلنا إلى نهائيات كأس العالم للشباب عام 1989 ذلك المنتخب الذي تفوق على منتخبات عالمية كالأرجنتين وإسبانيا، كان هو الأساس للمنتخب الوطني وقدم خلالها أفضل النتائج حتى الآن.
الجميع يتذكر المدارس الكروية على النطاق المحلي في الثمانينيات والتي أنجبت أجيالاً خدموا الأندية والكرة العراقية على مدى سنوات، أما الآن فالأندية لم تعد تهتم بهذا الجانب كما كانت من ذي قبل، فقد جاء الإحتراف حتى ولو على نطاق ضيق، وأصبح البحث عن اللاعب الجاهز وشراء عقده هو الحل لنقاط الضعف أو تعزيز مصادر القوة، ودخلت الأندية في مشاكل مالية وإدارية نتيجة عدم قدرتها على الوفاء بإلتزاماتها لأنها لا تتعامل بفكر إحترافي، ولا فكر تجاري وإستثماري بقدر إعتمادها على حسن النوايا والثقة في الآخر، وهي أمور لا تجدي نفعاً ولا تتسق مع الإحتراف الحقيقي كمفهوم وتطبيق وهذ إنعكس بدوره على علاقات الأندية مع بعضها البعض وعلاقات الأندية مع لاعبيها بصورة أثرت على وضع الكرة لدينا وعلاقات الجماهير بأنديتها والأندية الأخرى، ولاعبي تلك الأندية، مما ساهم في تغذية كثير من الأمور السلبية في الوسط الرياضي وإنعكس ذلك بدوره على المنتخب في حين يفترض أن يزداد الاهتمام بالنشء بهدف إستثماري على المدى البعيد وهو أحد الجوانب المهمة في الإحتراف إن لم يكن الأهم، وعلى سبيل المثال من ناحية الإستثمار فإن نادٍ مثل ريال مدريد إشترى عقد لاعبه كرستيانو رونالدو بـ 94 مليون يورو كأغلى لاعب في العالم كاسراً بذلك رقم زين الدين زيدان عندما إشتراه ريال مدريد بـ 75 مليون يورو وفي غضون شهر واحد بلغت مداخيل النادي من مبيعات قميص رونالدو فقط 100 مليون يورو (أكثر من قيمة عقده)، ناهيك عن العوائد الإستثمارية بالطرق الأخرى،بالتأكيد نحن لا نريد أن نصل إلى هذه الأرقام وهذه المستويات ولا يمكن أن نصل لكن العملية نسبية، نريد فكراً إحترافياً يعرف كيف يستثمر الأندية ويديرها، وهذا لن يتأتى ما لم نتخذ خطوة عاجلة وجريئة بخصخصتها ، ولنبدأ مثلاً بالأندية الجماهيرية كخطوة أولى أو بعضها على سبيل التجربة، نحن تفتقد للعمل المؤسساتي المنظم داخل أنديتنا، لذلك فهي في معظمها تخضع لمزاجية وفكر من يديرها أو يترأسها لهذا تعيش الأندية ضائقة مالية ومشاكل إقتصادية نتيجة شح الموارد وعدم تغطيتها النفقات الصادرة عن قرارات عشوائية في معظمها، أما الداعمون الأفراد إن وجدوا، أو الرؤساء الفخريون إن وجدوا أيضاً ليس لديهم الإستعداد أن يتحولو إلى (بقرة حلوب)،عذراً لهذا الوصف لكنه الواقع فهم يريدون أن يروا نتاج دعمهم وليس هناك نتاج، وبعضهم يريد أن يكون صاحب قرار مقابل ذلك، وهو ليس من حقه، وأعاود القول إن أندية الشمال لدينا هي فقط القادرة على أن تعيش وفق ظروف المرحلة لذلك ليس غريبا أن تسيطر هذه الأندية على البطولات المحلية خلال السنوات الماضية لتوافر المناخ الإستثماري والإداري الجيد الذي يعينها على تحقيق ذلك، لكن بعضها مُعرض في أي لحظة لجفاف منابع الدعم عنه أو أن يتم تقنينها لأي سبب كان، أما بقية الأندية قياساً بأندية الشمال فهي تعتبر من ذوي الدخل المحدود أو تعيش تحت خط الفقر (حتى الأندية التي إرتبطت بشكل أو بأخر، أو في طريقها للإرتباط بالمؤسسات الحكومية)، وهي ظاهرة غير صحية على الإطلاق ويجب أن يتم ردم هذه الهوة، وهذا لن يتأتى إلا بإعادة صياغة وبلورة قوانين الأندية لدينا، وإحترافية إداراتها ، وخصخصتها لتعتمد على التمويل الذاتي وتستطيع فرض أسلوبها وشروطها على اللاعب وتقنن سعره إذ إن قيمة العقود الحالية للاعبين العراقيين فيها شيء من المبالغة فمع إحترامي وتقديري لجميع اللاعبين في مختلف الأندية، لا يوجد من يستحق مبلغ المئة مليون في ظل وضع الأندية الحالي، ناهيك عن الرواتب العالية، رغم قناعتنا بأن الحياة ومتطلباتها فرضت هذا
هذا الارتفاع في العقود والرواتب، ونتيجة القرار الفردي أحياناً ، والإبتعاد عن المنافسة الشريفة، فالبعض يسعى لتسجيل لاعب ما لا ليستفيد منه، بل ليقطع الطريق على النادي الآخر كي لا يستفيد من اللاعب، ولو كان هناك أندية تخضع للمحاسبة والمساءلة من قبل الأعضاء والمنتسبين وضبط الأمور الإدارية والمالية لما تجرأت بعض الأندية على مثل هذه الخطوة ولا غيرها من الخطوات الإرتجالية، ربما يرى البعض أن هذا الارتفاع يعود لقصر عمر اللاعب في الملاعب ورغبته في تأمين مستقبله إضافة للوضع الإقتصادي والسياسي والأمني العام للبلد، وعندما نبتعد عن لغة العاطفة ونقترب من لغة العقل نقول بأنه مبرر غير مقبول فقيمة العقد مبالغ فيها حتى لو آمنا بذلك، هذه ناحية، ثم إن ما يتم دفعه للاعب لا يتناسب مطلقاً مع عطائه ولا يتناسب أيضاً مع الساعات التي يؤديها مقابل ذلك وهذا ما يجعل البعض يبرر عدم إلزام اللاعب بالتدريبات الصباحية والتواجد في النادي ساعات تكفي لإعداده فنياً وبدنياً من أنه لا يستطيع فرض ذلك عليه وهو الذي يؤخر حقوقه بالأشهر وربما أكثر ولن أتحدث هنا عن إنعكاس ذلك على اللاعب ونفسيته وأسلوب البحث عن مصدررزقه وبالتالي مستواه.. إلخ.
إن تنظيم الأندية وخصخصتها من شأنه أن ينظم هذا كله وينظم علاقة اللاعب بناديه وكيفية تأمين مستقبله وما إلى ذلك بما ينعكس على مستقبل الكرة العراقية،كما إن ترسيخ مفهوم المبادئ السامية للرياضة وطبيعة التنافس الشريف في نفوس النشء والإهتمام طوال مراحل التعليم العام لينشأ الشاب وفق ثقافة رياضية يدرك من خلالها أبعاد المنافسة الرياضية ومعناها على مستوى المنتخب أو على مستوى الأندية والتنافس المحلي.
ختام القول نعتقد أن فكرة نادي الزوراء بالدعوة لعقد ملتقى عام يجمع مسؤولي الأندية، ووزارة الشباب، واللجنة الأولمبية، والإعلام وكل من له علاقة من أهل الشأن، تحتاج إلى دعوة القطاع الخاص والمهتمين لدراسة الإستثمار في الأندية وكيفيته؟ والضمانات المتاحة للقطاع الخاص، فأكثر ما يقلق القطاع الخاص هو تخوفه من عدم إستقرار الأندية وعدم وضوح الرؤية حول إداراتها وكيفية تعاملها وبالتالي إنعدام المردود الإستثماري مقابل ما يقوم به من عمل أو يضعه من برامج، ولعل الدعوة لهذا الملتقى بمشاركة كل الأطراف لمناقشة الوضع الرياضي بصورة عامة والكروي بشكل خاص تفتح الآفاق لتلك الجزئية التي تعتبر من أهم مقومات العمل الإحترافي في الأندية بالأخص بعد التعليمات الأخيرة للإتحاد الآسيوي بضرورة تطبيق الإحتراف منذ الموسم القادم وإلا سوف يحرم البلد الذي لا يوجد فيه دوري محترفين من كافة المشاركات على المستوى القاري، وتحتاج أيضاً مشاركة التربية، والتعليم العالي فهما حجر أساس في كثير من مقومات الرياضة وإيجاد ثقافة رياضية واعية لدى الشباب والمنتمين لهذين القطاعين بما يساهم في إعداد جيل يدرك الدور المنوط به ورسالته في هذه الحياة

1 Comment