
السويد – علي النعيمي/(خاص) صحيفة الرياضة العراقية: تابعت جماهيرنا بشغف مباراة منتخبي مصر والجزائر ، وستتابع حتما اليوم وبلهفة غامرة لقاء الفصل في السودان
لحجز البطاقة المؤهلة إلى كأس العالم 2010 ، وبالتأكيد خرج الجميع بإنطباعات مختلفة عن مستوى الأداء والنتائج ، ومن هنا نقول مادام أن البعض قد سلط الضوء على طريقة لعب المنتخبين ، فأننا سننتهز الفرصة اليوم لنحلق معا على بساط هذه المقارنة ، لنحلل بعض الأمور الفنية ، لكن من منظور آخر قائم على إسترجاع منطقي لتأريخ كرتنا الزاهر وربطها بالحاضر مع مقارنتها بأمثلة معاصرة ، إذ لا تزال بعض موروثات الماضي متصفة بلاعبينا الآن وتوارثوها من جيل إلى آخر ، وهذا الأمر سيقودنا إلى أن نتكلم عن خصائص اللاعبين ومدى إستجابتهم إلى التغييرات الحادثة في طرق التدريب ، وسنتخذ اليوم لاعبي (مصر والجزائر) كمثال حي تقريبي ، وسنقارنهم مع مقومات اللاعب العراقي فلا تفوتك عزيزي القارئ هذه الفقرة وأنت تتابع المباراة لترى بأم عينيك حجم الفرق الكبير.
يتساءل البعض مثلاً عن سبب فقدان اللاعبين العراقيين لكراتهم من شتى مساحات الملعب في أغلب المباريات ، وعلى سبيل المثال في مباراة العراق وأذربيجان الأخيرة ، وإصرارهم على إبعاد الكرات بشتى الطرق وهي بحوزتهم في ربعنا الدفاعي! ، يعلم الجميع ان كرة القدم العراقية ورثت الأساليب الإنكليزية باللعب وخططها المنوعة بإستحواذ الكرة من الخصم وتدويرها أو دحرجتها ، ومن ثم لعبها على الأجنحة المنطلقة بسرعة (سنترشوت) أو الإحتفاظ بها وتأخير إيقاع اللعب لثواني عدة لغاية صعود المهاجمين إلى منطقة الجزاء ، والطريقة الأشهر (الرفع والكبس) أحدهما يرتقي ليعطي الكرة لزميله الذي يكون بجاهزية لعب جيدة وتمركز سليم للتهديف.
لكن هذا (الستايل) جعل من اللاعب العراقي أن يميل إلى الاحتفاظ الكثير بالكرة ، ودحرجتها يمينا وشمالا لأكثر من 15 ثانية ، فخلقت حالة من التخيل الذهني لدى اللاعب بأن الخصم سوف يتقدم عليه بعد 10 ثوانٍ ، وهذا الإحتفاظ الذي تحول إلى بديهية لعب وتعود دائم وطريقة منهجية في التحضير عند إستقبال واستلام الكرات.
هكذا أساليب لعب وبالرغم من مهاراتهم العالية ومواهبهم المميزة أكسبت اللاعبين آنذاك أنموذجاً حركياً معينا للأداء ، كان مواكباً لعصر الأساليب الشائعة في حينها ، لكن المشكلة ان بعضهم وبعد إعتزاله الكرة ، عادة ورّثها إلى الأجيال الحالية بحكم تدريبيه لهم ، ولهذا ظل هذا الأسلوب حاضراً في الملاعب العراقية برغم الأشواط الهائلة من التقدم وخطط التدريب الحديثة المتبعة الآن في عام 2009 ، في حين شاهدنا في مباراة مصر والجزائر كيف كان التحضير سريعاً وبناء الهجمة يعتمد كثيراً على تمرير الكرات السريعة الطويلة نحو العمق بشكل كرة سريعة منقولة من وسط الميدان ، ونجح لاعبو الوسط في توزيعها وبشكل سلس وبأسلوب متنوع ، وشكل ضغطاً رهيباً على الدفاع المقابل إذ كان يعتمد على التحركات والمساحات التي يخلقها اللاعب غير الحامل للكرة ، والملاحظ على هذا الأسلوب أن كل كرة ترسل بالعمق يكون هناك مهاجمان الأول يستلم والأخر يعمل ضغط على المدافع أو تغطية أو مشاغلة لأقرب مدافع انتهاج مبدأ اللعب على الأطراف مع تغيير في المراكز وإتاحة التقدم إلى الأمام عبر الأطراف ، وبصدق لمسنا سرعة في النموذج الحركي لديهم ، ولن نظلم باقي المنتخبات العربية فيما لو قلنا بأنهما من أفضل المنتخبات العربية حاليا إجادة في بناء الهجمات ، ويكون لحامل الكرة إسناد قريب من أقرب زميل له مهامه متنوعة إما بعرقلة أي لاعب وإعتراضه أي الضغط عليه من قبل الخصوم ، أو حمايته من أي لاعب خصم يحاول عرقلته ، كما إمتازا بعمل تحركات وتمويه الجسدي والخداع الحركي من غير كرة على شكل حرف (V) او ( U) (أمام-خلف) من أجل سحب المدافعين إلى مناطق معينة عشوائية لخلخلة تمركزهم الصحيح وتعطيل الوقوف المنتظم لهم وأخذ المبادرة إما بالتسديد أو الاختراق الفردي ، كلها أمور تكتيكية شاهدنا في مباراة الأشقاء والتي دللت بالدليل القاطع بأن كلا من الفريقين يعتبران من أفضل الفرق العربية حالياً من النواحي المهارية والفردية والجسمانية الخططية ، وأنهما أقل الفرق إرتكاباً للأخطاء الفنية بفضل التحركات والسرعة الإنفجارية التي يتمتعان بها ، حيث يلعبون بشكل منهجي ومدروس غير معقد ، ولديهم مجموعة رائعة بمواصفات لعب من طراز عالمي ، وأن الاحتراف الأوروبي انعكس ايجابياً على منتخبيهما ، لأن اللاعب الواحد يلعب برؤية واضحة ويمتاز بثقافة لعب عالية ، يعرف أين يتحرك ومتى يقف وبارع في تغيير المراكز والسحب والضغط وترك المساحة أو تضيقها بشكل فطري. كل هذه الأمور لا تتحقق إلا بفضل النموذج الحركي للاعب والذي يبنى على السرعة والقوة والتحضير السريع ، لكن الواقع كرتنا لايزال يميل إلى البطئ في إيقاع اللعب ، والمتمثل في التحضير الكلاسيكي للهجمة عند أغلب منتخباتنا الوطنية وأنديتنا المحلية ، لان اغلب اللاعبين اليوم أسسوا وترعرعوا على هذا النموذج الحركي من اللعب ، برغم معالجات بعض المدربين الأجانب والمحليين لتغيير واقعهم ، وقد بان جليا في مباراة منتخبنا الأخيرة المملة الخالية من أية لمحات فنية مع أذربيجان ، فاللاعب العراقي لا يزال يستلم الكرة من زميله برجل ويدحرجها برجل ، وأحيانا يضع قدميه على كرته إثناء الإستلام كونه بعيداً كل البعد عن طرق اللاعبين الأوروبيين والبرازيليين الذين يفكرون ويقررون إلى أين يلعبون الكرة قبل أن تصلهم بأجزاء من الثانية ، لما يمتازون به من رؤية وجلاء ذهني وثقافة لعب هائلة جاءت عبر تدريبات حديثة ومتطورة لحظة صقل مهارتهم ، إضافة إلى إمكانيات الأندية العالمية.
لكن اللاعب العراقي لا يفكر ولا يقرر إلا بعد إحساسه الملموس للكرة وهي تقف بين أقدامه ، ومن ثم تأتيه الرؤية وبديهية القرار ، ولا ذنب له لأنه نشأ على ذلك ، هذا (الرثيم) البطيء في التعامل مع الكرة تركته أوروبا منذ عام الثمانينيات ، وإستعاضت عنه بترسيخ مفهوم ثقافة اللعب التي رسخت التحضير السريع عن طريق الاستلام السريع متنوعاً بإتخاذ لحظة القرار الدقيقة وتقييم اللعب نظرياً ومن تطبيقه ، فلو عدنا إلى مباراة العراق واسبانيا ، كان اللاعب العراقي وفي كل الخطوط تقريبا ، يستقبل الكرة ومن ثم يحتفظ بها أقل من 7 ثوانٍ وأحيانا تصل إلى 3 ثوانٍ كون أن الفريق الاسباني وبحكم قدرته البدنية وإمكاناته الهائلة وتعوده على التمارين الوظيفية وصيغ السرعة من غير الكرة جعلتهم يعملون الضغط بأكثر من لاعب بكل يسر وبدون إجهاد ، وهذا الأمر شكل هاجساً مخيفا على اللاعب العراقي كونه معتاداً من 8 إلى11 ثانية كي يستلم ، ومن ثم يُسلم الكرة ، وبما أن الفريق كان في حالة دفاع فلم يجد غير التخلص من الكرة تخوفًا من أي مرتدة ، ومعنى ذلك أننا عندما نقابل فرق الخليج وإيران والشام لا نعاني من هذه المشكلة ، لان خصائص اللعب ونماذج الحركية للاعبين متشابهة من حيث القدرة البدنية والمهارة والواجبات ، أي أن الضغط على حامل الكرة لا يكون في جميع مساحات الملعب ، في حين إننا لا نستطيع التحضير الأمثل ونقل الكرة براحة مع الفرق الكبيرة ، ولمسنا الفارق مع اسبانيا وعانينا أيضا من ذات المشكلة مع جنوب إفريقيا بسبب القوة الجسمانية (اللياقة العالية).
وان خصائص النموذج الحركي لأي لاعب تخضع لمتغيرات عدة منها المدرب الأول في حياة أي اللاعب ، عندما يكون ناشئا او متقدماً ، وما يعطيه له من تمارين تتعلق بالقوة والمطاولة والانطلاقات وتمارين السرع الانفجارية والتعجيل المختلف ، وصقل تكنيكه المهاري الصحيح وتدريبه الدائم على تغيير المراكز والواجبات الإضافية وثمة عوامل أخرى ، لكن يبقى المستوى المهاري مع الجهد البدني سلاحاً فعالاً لتطبيق أي تكتيك او خطة يبغي أي مدرب في العالم تطبيقها في الملعب ، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق مواكبة وفهم متطلبات كرة القدم العالمية التي استوعبت كل شيء ، فأثناء دراستي لعلوم التدريب والتحليل شاهدنا تمارين قام بها المدرب غوارديولا لتدريب فريقه المتخم بالنجوم ، نقل السرعة بأقل لمسات ولا تتجاوز الـ7 نقلات ، وذلك بعمل حرفين (z) احدهما فوق الأخر ، ومن 5 لاعبين ، مرة يبدأ من الدائرة الوسطية باتجاه الهدف ، ومرة يبدأ من عرض الملعب ، والـ(z) الثاني يضعه بشكل عمودي عليه ، ويومها أدركنا ما معنى الفارق الهائل بين تدريبهم وتدريبنا ، ولماذا فازت اسبانيا في بطولة أوربا ولم نستهجن أبدا تمارين المدرب الهولندي غوس هيدينك (تمارينه الأربعة) المشهورة ، وهي ان السير مشياً من المرمى إلى مرمى المقابل والرجوع بهرولة إلى وسط الملعب ومن ثم الانطلاق بسرعة إلى قوس الجزاء وبعدها القفز في منطقة الجزاء ، وعندما سأله أحد المدربين ما فائدة ذلك؟ ، إبتسم وقال: هذه هي كرة القدم فيها المشي والجري والانطلاقة ، وفيها اللعب الصريح بالكرة ، على ضوئها تخلق التركيبة الحركية للاعبين ، وعندها أطبق ما أشاء من التكتيكات ، فنتمنى أن يدرك المدرب العراقي جيداً بأن التدريب علم ودراسة وجهد ومعادلات فيزيائية ، وليس وراثة أو صنعها نورثها من جيل إلى آخر ، ولا يملكون (غير عفية) ابني ، و(أسرع وليدي) مع صوت أجش فسره البعض لنا على أن من أمتلكه كانت لديه شخصية صارمة وقيادة بارعة في المستطيل الأخضر ، وتلك حكاية بل (مأساة) أخرى بكل فصولها المثيرة ، جزماً سنعود لها ، ولكن بعد حين.

1 Comment