الجزء الثاني….
** بعد أن شخّصنا العلّة نقترح العلاج **
أعلم بأني كنت قادراً على كتابة مجلدات بما يتعلّق بالفئات السنية ولكني اكتفيت بما تقدّم لأني أريد أن أضع بعض العلاجات المهمة وأتمنى أن تكون مفيدة لأن المرض بالإمكان أن نتخلّص منه بشرط أن يتم تعميم العلاج ..
البداية يجب أن تكون من المدارس حيث يصدر قرار رسمي ملزم يؤكد على احترام حرمة درس الرياضة وطبع كرّاس بدائي ومتوسّط ومتقدّم ومتطوّر يوزع ويدرّس لكل المراحل الدراسية على أن يكون هناك أربع حصص للرياضة توزّع على أيام الأسبوع اثنتان منها نظرية واثنتان عملية وتكون هناك اختبارات ودرجات تحدد مصير الطالب بين النجاح أو الرسوب لكي لا يتم إهمال هذا الجانب مما سيتيح الفرصة لمدرّس أو معلّم الرياضة أن يمارس اختصاصه بجدية لأنّه سيشعر بأنّه بات من العناصر المهمة في الأسرة التدريسية ، كما أننا سنحقق غاية أهم وهي إلزام الجميع على ممارسة الرياضة وهذا سيحقق جانباً مهماً من الصحة العامة وفي ذات الوقت التركيز على التواصل مع المواهب بعد أن يتم إعلام الجهات الساندة بهم لتكون العملية تواصلية بين المدارس والأندية أو المنتخبات وسابقاً قالوا إذا أردت أن تقفل مستشفى فما عليك إلا أن تفتح نادياً على شرط أن توفّر له كامل جوانب النجاح وبعملية بسيطة سنجد أن تكلفة المستشفى وملحقاتها ستكون أكثر بكثير عبر الإدامة وتوفير العلاج وخسارة الأشخاص بسبب المرض الناتج عن أمور كثيرة !! لذا العالم المتقدّم يفكّر بالوقاية لأنّها أقل كلفة من العلاج ونحن لا زلنا نفكّر بالعلاج (المكلّف) وشتان بين الاثنين !!
** الكشّاف وأهميّته !!
كنت أراقب ميسي البرشلوني منذ نعومة أظافره حيث اكتشفه أحد الأشخاص ممن يطوفون الملاعب الحرة والحواري فوقعت عينه على الصغير (الموهوب العليل) فأخبر القائمين على البرشا عنه وهم الذين يثقون بنظرة هذا الشخص الثاقبة ، فما كان منهم إلا أن أرسلوا وفداً إلى الأرجنتين ليقنع عائلة الصغير الموهوب بأنّهم سيعالجونه ويوفّرون لعائلته الأب والأم وظائف تعينهم على العيش برخاء ، وسيخضعون الطفل (ميسي) إلى كورسات علاجية ودراسية إضافة إلى مهارات وأساسيات كرة القدم ولو حسبنا ما صرف على ميسي ، سنجده وعبر كل سني حياته حتى بداية شهرته ، لم يتعدّى بضعة عشرات من ألوف الدولارات !! أما ما تم تحصيله بسبب مهارته التي تفتّحت فنعتقد مئات الملايين لمن استثمروه ومثلها له ناهيكم عن الشهرة والألقاب التي جلبها للبرشا أو التي سيجلبها لوطنه الأم (الأرجنتين) ومع هذا بقي الرجل (أرجنتينياً) خالصاً ونحن نتكالب على الأجانب لنجنّسهم ولنعطيهم ما نبخل به على مواهبنا !! أما الكشّاف وحسب الاتفاقيات فإن له نسب معقولة تدفع له إما دفعة واحدة أو على شكل أقساط وهذا سيعينه على مواصلة العمل لكي يجد مواهب أكثر وأكثر وأيضاً هذا ما لا نجيد أن نعمله نحن لأننا نجد بأن هناك من يسلب الكشاف ما اكتشفه وينسبه لنفسه حتى نجد اندثار الكشّاف بالكامل وكان هو الحلقة الأهم !!
** المدارس الكروية **
كنت ممن واكبوا أحلام شيخ المدربين العراقيين الراحل عمو بابا والتي تمثّلت بعد أن زهد من الانجازات للكرة العراقية وأغلبها مسجّل باسمه أن يؤسس لمدرسة كروية تعنى بالصغار من المواهب ، تحقق للرجل ما أراد رغم تضييق الخناق عليه مادياً وتخصيص ملعب (ثانٍ) ملحق بملعب أثري وأثير يعد الأفضل في العاصمة بغداد وكل العراق وهناك أوجد لهم الرجل حصصاً وأوقات لكل فئة مع متابعة المستوى الدراسي لهم ، ولأنّه عمل بالممكن وبإخلاص تواصلت الكرة العراقية وكان من أهم حسنات المدرسة هي ظهور منتخبات مثّلت العراق في الاستحقاقات العربية والآسيوية بعد العام 2004 وهذا شيء يعد من النوادر في عصرنا الحالي ، ولأن اللاعب العراقي موهوب بالفطرة فإنّك تستطيع أن تشكّله كيفما شئت رغم وجود النواقص في العدة والعمل وهو ما شهدت به بلدان عدّة ممن امتلكت أكاديميات مثل (إسباير) وغيرها لأنّها وفّرت الدعم اللوجستي المتكامل واعتمدت على سياسة صنع اللاعب سواء كان موهوباً أو لم يكن كذلك ولم تهتم لجنسيته لأنّها تعد لتجنيسه ، وهنا كان الخلل الذي ما بعده خلل واتضح ذلك من خلال النتائج السلبية التي رافقت تلك المنتخبات !!
وبما أننا أخفقنا بتطبيق الفكرة فما علينا إلا أن ندرس سبب الإخفاق والذي نجده يتمثل بإهمال اللاعب المواطن وشعوره بأن اللاعب الأجنبي هو الذي أصبح مفضّلاً في بلده مما جعله يتأثّر في عقله الباطن ليعاني من عقدة نقص واضحة أثناء انتسابه لأحد منتخبات بلده !! هذا الذي نتحدّث عنه نجده مسيطراً في خليجنا العربي ونخشى أن يعمم وساعتها لا يعلم إلا الله بما
سيحدث !!
بما أننا عرب والعربي تحكمه عادات متوارثة وهي لا تختلف بين بلد عربي وآخر لذا الواجب يحتّم علينا أن نتكامل فيما بيننا لأن الغيرة والنخوة العربية هما اللتان تسيطران علينا إذاً لابد من منحهما الفرصة اللائقة !!
كما يتوجّب علينا أن نتخلّص من أهل السياسة المحشورين حشراً في الرياضة وتخليص الأندية منهم وفسح المجال للمختصين من الدارسين في الخارج والداخل أن يطبّقوا ما درسوه على أرض الواقع وعدم تركهم يعانون البطالة لأنّ هناك من سلبهم ما كانوا يجيدونه !!
ليتم إنشاء كوادر إدارية تعرف ما تخطط له وتجيد الوصول للأهداف المرسومة عبر فترة زمنية مدروسة ، بشرط أن توفّر لها ما كان يمنح للأجنبي وعدم ترك أهل الاختصاص مهمشين حتى وإن كانوا يرأسون الأعمال ، لأن عدم التواصل الوطني كدرجات لا يعطي للاستمرارية أي بصيص أمل ، كون القواعد أهملت ومن السهولة سقوط الرأس وهو ما يريده من يعمل عندنا بدليل أنّه يعمل لنا كل شيء وبأفضل صورة ولكن بشرط أن لا يسمح لنا أن نتعلّم طريقة العمل لنبقى نحتاجه دائماً !!
عندما تتوّفر المدارس الكروية وكوادرها المحلية من النجوم المعتزلين محلياً مع قسم من المشاهير عالمياً يتم إسناد مهمة التدريب الأولي بهؤلاء لكي يزرعوا ما يمتلكونه من موهبة ومهارة بالأجيال التي تحت أيديهم وبطريقة منهجية مدروسة يتم فيها ترحيل المنتخبات من نجم إلى نجم سنة بعد سنة بشرط أن تزرع فيهم التدريبات والتمارين الخططية العادية والمركّبة دفاعاً وهجوماً وصناعة اللعب حتى يتشبّع الموهوب من العلوم التي تجعله يستوعب ما يتم منحه إياه مع تقادم السنين لتسهل عليه عملية هضم المستجدات الحديثة في علوم التدريب عندما يرتقي للمنتخب الأول وساعتها لن يجد الفارق كبيراً بين ما تعلّمه أو ما سيناله إلا من حيث قدرة المدرّب على الإبداع وتكليفه بالواجب .. بما أننا نطمح لتطبيق الاحترافية بكل أشكالها فلا ضير أن يتم منح اللاعبين ما يشجّعهم ويشجّع أسرهم على رفد تلك المدارس بأولادهم كخطوات أولى يجب إتباعها وهو ما حصل في الغرب الكروي المتقدّم والذي راح يجني ثمار تجاربه الناجحة لأنّه بات يتلقّى الأموال نضير قبول متوسطي المواهب ممن يريد أهاليهم أن يؤهلوهم ليكسبوا من خلفهم مستقبلاً !!
**السفاح العراقي وخرطوم الماء **
وحتى أوضح هذا الجانب وأعطيه ما يستحقه أتذكر بأني أجريت لقاءً موسّعاً مع نجم الكرة العراقية السفاح يونس محمود وأثناء الحوار عرفت منه أنّه كان يكره لعبة كرة القدم ويعشق كرة السلة والسباحة !! وكان والده الذي يراقبه عن كثب يعلم أن ابنه يمتلك موهبة كروية يمكن لها أن تتفجّر لو وجد من يفجّرها ويصقلها فراح يجبر يونس على ممارسة كرة القدم و(الطفل) يونس يتذمّر وكانت عقوبته عندما يرفض لعب الكرة وهذا حسب كلام يونس أنّه كان يتلقى الضرب المبرّح من والده الذي كان يمسك بيده (خرطوم ماء) بلاستيكي ينهال به على جسد يونس الذي رضخ للأمر الواقع واستسلم له وها هو اليوم في خريف عمره الكروي بعد أن نال من الألقاب والأموال ما يغنيه !!
**دور الأندية هام جداً **
هكذا عملية بناء لا يمكن أن تتكامل بمعزل عن الأندية التي لا بد لها أن تستقبل المواهب وتساهم بتطويرهم بما يتلاءم وما أعد من منهاج وزجّ اللاعبين في البطولات لتزداد ثقتهم بأنفسهم ولا بأس من تشجيع الجماهير لحضور مباريات الفئات السنية عبر الحوافز وغيرها حتى يعتادون على ذلك ويشعرون بأهمية صنع المواهب التي ستتفتّح أمام أنظارهم وسنرى ساعتها كيفية انتشار وتوسّع رقعة الراغبين بالحضور أو بالانتساب للمدارس ؟ وكم ستكون الفائدة التي ستجنيها الأندية التي تصرف الملايين وربما أكثر لكي تحقق بطولة ما وبسرعة ومهما حصدت من بطولات مدفوعة الثمن فإن كل تلك البطولات لن تعادل بطولة واحدة يحققها أي نادٍ بما صنعه من مواهب !!
** الخاتمة **
ما تقدّم سينعكس على المنتخبات الوطنية وسيحد من عمليات التزوير والضحك على الذقون ومصادرة فرص المستحقين من المواهب وساعتها فقط نستطيع القول أننا بدأنا السير في الطريق الصحيح الذي سبق أن نوّهنا عنه في أحد الأيام وضربنا مثلاً بالكرة اليابانية التي رصدت مليار دولار كدفعة أولية للنهوض بواقع كرة القدم اليابانية وتمثّل عملها بإنتاج مسلسلات (كارتون ماجد) التي تبدأ مع الطفل من (الروضة) التمهيدي صعوداً وكانت تركّز على بطولات المدارس وترصد عبر حلقات المسلسل حتى حركات الجمهور وتزايده في المدرجات ، ومن مدارس الابتدائية إلى الإعدادية والثانوية نجد السلسلة مترابطة مع تواجد فترات لشروحات تدريبية متطوّرة (منتقاة) بعناية ولابد من الخيال لزيادة تعلّق الصغار بالكرة التي كانت حتى الأمس القريب تحتل الترتيب الخامس في اليابان ، أما اليوم فإنها تنافس البيسبول على الترتيب الأول !!
ولأنّها تريد زرع المفاهيم الصحيحة بالكامل فإنها تواصل مع ذات النجوم الصغار حتى يصلوا إلى نهائيات كأس العالم للشباب ومن ثم المتقدمين ومن بعدها بطولات أندية العالم لتكتمل السلسلة بنجاح !! الغريب أن ما رسمته اليابان في أفلام الكارتون بتنا نراه كحقيقة واقعية في زمننا الحالي ولا ننسى كيف كانت اليابان ترسل مجاميع أبناءها الصغار للتعايش في البرازيل وكسب الخبرة وتنمية المواهب وهو ذات الأسلوب الذي اتبعته كوريا الجنوبية التي وصلت لتسلسل رابع العالم فيما فازت نسوة اليابان بكأس العالم !!
إنّه التخطيط السليم فقط من يحقق المراد ويرضي العباد ونبقى نتطلّع إلى الأمام .. دمتم ولنا عودة

1 Comment